سلسلة البنات الصالحات(2) : نائلة زوجة عثمان بن عفان ( الوفية المؤثرة )


1– بنت الفَرافِصة

الفرافصة هو اسم لأبى نائلة ، تلك البنت التى عاشت زهرة عمرها بالبادية ، قرب الكوفة ، يحكى الحافظ ابن عساكر فى تاريخ دمشق أن سعيد بن العاص الأموى كان أميرًا على الكوفة لعثمان ـ قد تزوج إمرأة من بنى كلب تدعى ( هند بنت الفرافصة ) فبلغ ذلك عثمان رضى الله عنه فكتب يقول : لسعيد وهو ذى العقل السديد :

( أما بعد فإنه قد بلغنى أنك تزوجت امرأة من كلب فأخبرنى عن حسبها وجمالها ) . فكتب إليه سعيد بأوجز لفظ : أما حسبها فإنها بنت الفرافصة , وأما جمالها فإنها بيضاء مديدة والسلام .

عندئذ كتب عثمان إلى سعيد : إن كان لها أخت فزوجنيها واستجاب سعيد وكان الفرافصة نصرانيا , فطلب من أخيها وكان مسلمًا , أن يكون وليها ، فحملها إلى عثمان أمير المؤمنين فى المدينة المنورة، وهكذا انتقلت بنت البادية إلى المدينة , وإلى الخليفة بالتحديد , بل إلى عثمان بن عفان .

فلما قدمت  عليه أعجب بها وبفصاحتها وحسن أدبها , وقد أثمر زواجهما بطفلة يقال لها مريم بنت عثمان كما فى عيون الأخبار , وأصبحت بنت الفرافصة أمًا لمريم ، تعيش فى كنف عثمان الذى مدحها كما أورد الزمحشرى بقوله : ما دخلت على امرأة أوفى عقلاً منها , ولا أحرى أن تغلبنى على عقلى .

2– الزوجة المؤثرة

الزوجة المؤثرة هى التى تستجيب لنداء ونصائح أصحاب الخبرات من قبل الزواج ، فقد حملت نائلة وصية أبيها قبل ذهابها لبيت الزوجية :

( يا نائلة إنك تقدمين على نساء قريش , وهن أقدر على الطيب منك ، فاحفظى عنى خصلتين : الكحل والماء ) .

فكانت كما أوصاها والدها تعمل على النظافة الكاملة والحرص على الجمال والبهاء , ومن تأثيرها فى عثمان كما روى ابن سعد فى طبقاته , أنه كان يتهيأ لها بالغالى من الملابس , فقد كان يلبس ثوباً ثمنه مئتى درهم , ويقول : هذا لنائلة , فأنا ألبسه لأسرّها به .

ومنذ زواجها من عثمان رضى الله عنه , بدأت نائلة تأخذ مكانها بين النساء الشهيرات , وبالتحديد فى العام الثمانى والعشرين من الهجرة , وهى السنة التى تزوج فيها عثمان نائلة .

3– الداعية البصيرة

وفى المدينة المنورة لم تترك نائلة فرصة تلقى العلم والسماع من أمهات المؤمنين , فلزمت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها , وأخذت ترتاد مجالس العلم ، حتى وفقها الله فى أن تكون راوية عن عائشة وراوية عن زوجها عثمان رضى الله عنه وعن غيرهما .

ففى الطبقات من مرويات نائلة رضى الله عنها فى الفقه , قالت :

( أمّتنا عائشة فى صلاة فقامت وسطنا ) .

وبذلك اختارت صحبة الصالحات , وانطلقت من مجالس العلم , داعية إلى الله على بصيرة وعلم وفقه .

4– الوفيّة الغالية

الموقف الأول :

أورد ابن كثير فى البداية والنهاية والذهبى فى تاريخ الإسلام ، أعظم مواقف الوفاء والإيثار من زوجة محبة لزوجها , تفديه بروحها وذلك فى يوم الفتنة يوم سنة 35 هجرية .

فما الأحداث الدامية لذلك اليوم ؟!!

وما الذى تستفيده زوجات اليوم الصالحات من نائلة ؟

وكيف يقتدين بها وهى تصارع الفتنة وتواجه المأساة ؟

فقد تسور الثائرون فى المدينة , على زوجها عثمان وتبادرته السيوف ، وهنا ألقت نائلة بنفسها عليه حتى تكون له وقاء من الموت , وضربه أحدهم بالسيف ضربة أصابته وأصابت يده , وبين يديه المصحف , فقال رضى الله عنه : والله إنها أول يد كتبت المفصل ، فكان أول قطرة دم منها سقطت بين يدى نائلة زوجته على هذه الآية :

{ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } البقرة : 137 .

الموقف الثانى :

عندما جاء رجل آخر شاهرًا سيفه , فاستقبلته نائلة لتمنعه من زوجها , وأخذت السيف فانتزعه منها , فقطع أصابعها وفُصلت عن يدها , ثم ضرب زوجها عثمان ضربة نفذت إليه , فمات شهيدًا مظلومًا فى صحوة يوم الجمعة ، وقد اختلطت دماء الزوجة الوفية بالدماء الغالية لزوجها الشهيد .

الموقف الثالث :

أورده الذهبى فى تاريخ الإسلام ، حينما لم يقدروا على دفنه نهارًا من الغوغاء , فخرجت نائلة ليلة دفنه ومعها السراج , وهى تهتف :

( واعثماناه ـ وأمير المؤمنيناه )

فقال لها جبير بن مطعم : أطفئى السراج حتى لا يفطن بنا , فقد رأيت الغوغاء عند الباب , فأطفأت عليه السراج , ثم انتهوا إلى البقيع فصلى عليه جبير ومعه رجال , وزوجتا عثمان نائلة وأم البنين , تساعدان فى إنزاله إلى قبره .

الموقف الرابع :

بعد استشهاد عثمان ما فارقت نائلة داره إلى دار أبيها ، وفاء لحبيب قلبها عثمان ، وكانت مظاهر هذا الوفاء فى ذكرها لشمائله وصفاته فى كل موطن ومقام , حتى فى يوم مقتله , فكانت تقول :

( لقد قتلتموه وإنه ليحيى الليلة بالقرآن فى ركعة ) .

الموقف الخامس :

ووفاء لزوجها عثمان أنفت نائلة أن تبدل بعثمان زوجا آخر ، مع أن مبادئ الإسلام لا تمنع ذلك ، فأرادت أن تبقى على ذكراه فى قلبها , وهذا انفراد في الوفاء , من نائلة الصالحة .

5– البليغة الآسرة

ـ من خلال إصبعين مقطوعتين من أصولهما ونصف الإبهام وشيء من الكف ، كتبتا نائلة إلى معاوية فى فصاحة وبلاغة آسرة :

( من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبى سفيان أما بعد : فإنى أذكركم بالله الذى أنعم عليكم وعلمكم الإسلام , وهداكم من الضالة وأنقذكم من الكفر ونصركم على العدو ، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة , وأنشدكم الله وأذكركم حقه وحق خليفته الذى لم تنصروه وبعزمة الله عليكم ) , ثم تابعت بقية رسالتها بأسلوب مؤثر موجز بليغ , وهكذا امتلكت نائلة ناصية الكلام والكتابة .

ـ وإلى جانب الكتابة امتازت ببلاغتها فى فن الخطاب , وكانت من أعمق النساء تأثيرًا فى النفوس السامعة , وذلك لمقدرتها على الخطابة ، فقد توجهت ومعها نسوة إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاستقبلت القلبة بوجهها , وألقت كمّها على رأسها حتى آذنوها باجتماع الناس , ومن ثم حمدت الله عز وجل وأثنت عليه , وصلّت على البنى , ثم قالت :

( عثمان ذو النورين قتل مظلوماً بينكم  بعد الاعتذار وان أعطاكم العتبى ، معاشر الطائفة المؤمنة وأهل الملة , لا تستنكروا مقامى ، ولا تستكثروا كلامى ) , ثم قالت فى أواخرها :

( يا هؤلاء إنكم فى فتنة عمياء صمّاء طباق السماء، فلهوات الشر فاغرة ، وآيات السوء كاشرة، ولئن نكرتم أمر عثمان لتنكرن غير ذلك من غيره ، حين لا ينفعكم عقاب ولا يسمع منكم استعتاب )

ثم أقبلت بوجهها على قبر النبى صلى الله عليه وسلم , فقالت : ( اللهم فاشهد )

وتفرق الناس وهم واجمون , وقد تأثروا بخطبتها , وحزنوا لمصابها .

ـ وكانت نائلة شاعرة وتركت ثروة من الأشعار ، فى الفراق والرثاء ، فكتبت حين فارقت أهلها إلى المدينة مخاطبة أخاها ( ضب ) :

ألست ترى يا ضب بالله أننى

مصاحبة نحو المدينة أركبا

إذا قطعوا حزنًا تحث ركابها

كما زعزعت ريح يراعًا مثقبًا

ومن أبدع شعرها ما قالته فى رثاء زوجها عثمان , وذكره الذهبى فى تاريخ دمشق :

ألا إن خير الناس بعد ثلاثة

قتيل التّجيبى ( قاتل عثمان ) الذى جاء من مصر

ومالى لا أبكى وتبكى قرابتى

وقد غيبت عنا فضول أبى عمرو

وأخيرًا

هذه نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان بن عفان أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الوفية الداعية المؤثرة الآسرة .

تذكرى

1ـ زينة البنات العقل والفصاحة وحسن الأدب وليس فى الجمال فقط .

2- الصالحة هى الزوجة الحريصة على النظافة الكاملة والجمال والبهاء وبهذا تأسر زوجها.

3- المرأة الصالحة تقوم برسالتها فى الحياة , فهى مثقفة تعلم دينها وتدعو الأخريات إلى الالتزام .

4- من صفات الزوجة الصالحة : الوفاء لزوجها والوقوف بجواره عند المحن , وتقديم التضحيات مهما كانت .

5- المرأة الصالحة ليست منعزلة عن المشاركة فى الحياة الإجتماعية والأدبية والثقافية والفكرية , فهى كاتبة وخطيبة وأديبة وشاعرة , تؤثر فى قلوب الناس .

همسة نائلة

اختاه الحبيبة :

الوفاء للزوج وحسن التعامل معه والحرص على نظافة البيت وجميل التهيئة , لا يؤثر عن المشاركة فى الحياة , وأداء رسالتك فى المجتمع .

بقلم الكاتب …. جمال ماضى

http://gmady.maktoobblog.com/

Advertisements

3 تعليقات to “سلسلة البنات الصالحات(2) : نائلة زوجة عثمان بن عفان ( الوفية المؤثرة )”

  1. Sarah Says:

    شكرا جزيلا يا أخي

  2. غير معروف Says:

    رضي اللة عنها

  3. غير معروف Says:

    رضي الله عنها ونفعنا بما قرانا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: